هند العربي تكتب: الغيبوبة!!

صدى البلد بعد منتصف الليل، يجلس في خلوة مع نفسه يتذكر الأيام والأحداث المٌرة والقاسية التي مرت علي ذهنه دون جرس إنذار، فينطر من نافذة شرفته يري الودق يتساقط، يفتح يداه ليمدها خارجا فيلتقط بعض القطرات ناظرا سارحا في السماء وفِي لحظة أمل يحسب ان ما يتمناه سيتحقق إذن، يلاحظ علامات الإعياء الشديدة علي قطته الصغيرة المنهكة ليسرع في إحضار الدواء الخاص بها، تلك الجليس والشريك الوحيد معه في منزله، ناسيًا موعده الذي حدده البيطري من كام يوم حتي تشفي الضعيفة من المرض، فقد راودته الأفكار وشريط الذكريات وشغلته عن مهمته، تدق عقارب الساعة الخامسة صباحًا وصوت أذان الفجر يجلجل الأركان والشوارع ليصحو من غفلته قائلًا:
اللهم تولني برحمتك"، وصياح طفل رضيع بالأسفل مع رجل أصلع وفِي صحبته امراة في سن الثلاثين يبدو عليهما علامات الفزع والقلق، ربما أصيب صغيرهما بالتعب، يريد ان يتخلص من تلك المشاهد العجيبة فيقوم بصنع فنجان من القهوة المضبوطة، ومع أول رشفة تعود اليه الأفكار ولكن هذه المرة مفعلة بالأماني والأمل والتأمل في المستقبل، فيستمع الي صوت ام كلثوم حيث إعادة الحفلة اليومية لها عبر فضائيات كلاسيك، واول مطلع من أغنية " انت عمري" من ألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب، وكوبليه "رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا.. علموني أندم على الماضي وجراحه.. اللي شفته قبل ما تشوفك عنيا.. عمر ضايع يحسبوه إزاي عليا"، يردد الكلمات دون ان يشعر، ليدرك بعدها انه لم يعتاد لسماع كوكب الشرق من قبل، ولكن ثمة أحداث غريبة تحدث له وتتوالي المواقف، ويرن جرس هاتفه المحمول وهو في وضع صامت فيلاحظ ان رقم غريب يحاول الاتصال به في وقت لا يتواصل معه أحد، وما إن يتحدث بكلمة أهلًا .. من ؟ يسمع صوت عذب يدخل قلبه من اول وهلة فيردد "يا الله ها هي ها هي" فيحيا الأمل بداخله ويسطٌر اول جملة في صفحة جديدة من حياته، وينام ويستيقظ علي صوت لشخص لم يسمعه من قبل يقول: الحالة مستقرة الآن والمريض سيفيق من البنج ويسترد وعيه، وإذا هو الطبيب المعالج الذي اجري له عملية دقيقة في القلب، ليدرك أنه بعد ان احتسي فنجان قهوته المفضلة ودخن قرابة علبتين من السجائر ذهب في غيبوبة فقد حذره الطبيب من تناولهما، ولكن كالعادة لم يقتنع انه مريض قط، ولم يدرك وقتها ان حلمه البسيط ربما يتبخر مع انتهاء المطر، ويصيبه النصب والعجز وخيبة الأمل مجددًا، فلم يكن هناك اتصالًا من حبيبته ولا هو سمع ام كلثوم ولكنها كانت سكرات الحب التي تخيلها ولم تدم طويلا الا لساعات قليلة منذ وقت الغيبوبة ووصول صديقه أحمد الي منزله الذي أحس بالخوف عليه بعد ان قام بالاتصال بِه عدة مرات ولكن لم يفلح، واذا به يقوم بإيداعه في المستشفي ليقرر الأطباء إجراء عملية فورًا.
وبعد رحلة متعبة وشفاء من المرض، يعود الي منزله وعمله وحياته السابقة، ليواصل ممارسة أموره اليومية والمعتادة، فيجلس مع نفسه ولكن تلك المرة أمام شاشات التلفاز ليتفقد الأحداث من حوله، فيفاجأ أنه قد فاته الكثير فقد غاب عن الوعي وقضي رحلة طويلة في الشفاء وفِي نفس الوقت توالت الأحداث وهو في غفلة عنها، ويتابع تطورات الأمور فيلاحظ الغزو التركي في المنطقة، ومنها دخول القوات التركية لشمال سوريا، والمثير للدهشة مؤيدى أردوغان يتغنون بما فعلته تركيا بحق سوريا وقتل العديد من السوريين من أطفال وشيوخ ونساء، ويعتبرونه الفتح الكبير الذى سيعيد مجد الدولة العثمانية من جديد، وأعداء أردوغان يتحدثون عن غزو قوى أجنبية لدولة عربية مستقلة، وياليتها دولة فما هى إلا أشلاء دولة للاسف بعدما تعرضت للدمار والخراب بمساعدة بعض الأيادي، ومنها الي سعي تركيا لإنشاء قاعدة عسكرية فى اديس ابابا لتعزيز النفوذ التركى فى منطقة شرق أفريقيا، حيث انها تعتبر المستثمر الأجنبي الأول في إثيوبيا ويبلغ حجم الاستثمارات التركية بإثيوبيا قرابة 3 مليارات دولار، غير ان مقديشو تعتبر مقر لأكبر قاعدة تركية بعد تأسيس قاعدة عسكرية في الصومال عام ٢٠١٦ بهدف تدريب الجيش الصومالي، وقاعدة عسكرية اخري في جيبوتي، مما ينذر بالقلق تجاه إنشاء قاعدة عسكرية تركية في إثيوبيا وخطورته علي الأمن لمصر في ظل أزمة سد النهضة، وأخيرًا واتمني ان يكون الأخير، توقيع الحكومة التركية اتفاقا مع حكومة السراج في ليبيا لترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط، فيما سمي بتعزيز التعاون الأمني والعسكري، وخاصة في حين إن قامت تركيا بنقل آلاف من عناصر داعش الي ليبيا من سوريا والعراق وتوطينها داخلها، وما سيترتب عليه ليضع اسواق النفط الخليجية فى خطر حال سيطرة تلك الميليشيات الارهابية المدعومة من قطر وتركيا على نفط ليبيا، وبموجب هذه الاتفاقية لا نجدها إلا انها محاولة لتسليم ليبيا للإرهاب كما حدث مع اتفاقية أوشي عام 1912 والتي بمقتضاها سلم العثمانيون ليبيا للاستعمار الإيطالي، ومن ثم يكون هدف تركيا هو اشعال الفوضى بدول شمال افريقيا والسيطرة علي المنطقة.
فتسرع دقات قلبه ولكن هذه المرة من الحزن تجاه ما يراه ويسمعه، ويسحب الريموت ويغلق التلفاز، ويتبع طريقة اخري لمعرفة الاخبار في مصر فينتقل الي تصفح صفحات مواقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك"، وإذا به يري خبرًا مخزنا لوفاة شاب خريج كلية الهندسة يدعي "نادر" ملقيًا بنفسه من أعلي برج القاهرة، في فيديو ومشهد مفزع ينزف له القلب، وينتابه الحزن مجددًا حين يقرأ التعليقات المختلفة من رواد الفيس بوك الذين يؤكدون انها ليست حادثة فريدة من نوعها بل سبقتها حوادث اخري مشابهة، فقد انتحر الطبيب النفسي "ابراهيم نصرة " مُلقيًا بنفسه من أعلي مبني في الاسكندرية بعد نوبة اكتئاب حادة، ولَم تتوقف حوادث الانتحار عند نادر فقط، بل وبعدها انتحر شاب أخر تحت عجلات مترو أرض المعارض في نفس اليوم، والمؤسف في الموضوع تحليلات البعض حول حوادث الانتحار المتزايدة، منهم من يٌكفر المنتحر، ومنهم من يستغل الانتحار ويوظفه لخدمة جهات معادية للبلد تستخدمه ضدها كيفما تشاء، ولأن الكثيرين منا تعود ان يتلقي معلوماته من مواقع التواصل الاجتماعي فلن نتقدم أبدًا، وفِي اعتقادي ان الانتحار ماهو الا حلقات متواصلة من فقدان الأمل واليأس العميق والإحباط والاكتئاب، وغياب بصيص من النور في نهاية النفق، وماهو الا مرض نفسي يتخلله هشاشة روح وكسرة قلب وعزل اجتماعي أحيانًا، وليست وطأة الظروف الاقتصادية وحدها هي السبب، وإلا ما كان هناك حالات انتحار متزايدة في الدول المتقدمة، وحسبما سمعت وردًا علي من يدعي ان مصر من اكثر دول العالم في معدلات الانتحار وهذا خطأ، ففي أمريكا ارتفعت معدلات الانتحار من ٩ إلي ١٣ في ١٠٠ ألف، ولما كانت السويد وهي الأعلي رفاهية تندرج تحت الدول الأعلي في معدلات الانتحار.
فيغلق عينيه للحظات ويستنشق نفسا عميقًا ليعيد توازنه من جديد، ويقرر ان يقرأ في الاخبار الفنية لعله يجد فيها من الرفاهية بعض الشيء، فيلاحظ خبر وفاة الفنان هيثم أحمد زكي ابن الراحل العظيم الفنان احمد زكي، وابن الفنانة هالة فؤاد منذ بضعة ايام عن عمر يناهز الـ٣٥ عام تقريبًا أثر هبوط حاد في الدورة الدموية في منزله وحيدًا، فيتأثر كثيرًا علي خبر وفاة شاب وحيد كان يتحدث عن مرارة الوحدة ولكن لم يجد من يساعده علي الخروج منها، وبعد ان قرر عقد قرانه قريبا لم يحالفه الحظ وكان للقدر رأي آخر، ومن خبر وفاة هيثم احمد زكي الي خبر وفاة الفنان الشعبي شعبان عبدالرحيم، ليلاحظ حزنا عارما علي صفحات الفيس بوك بعد وفاة شعبان، ووصفه بالانسان الطيب الجدع البسيط أبن البلد وما شابه ذلك.
فتقع الحسرة في نفسه جراء ما يراه ويسمعه ويقرأه ويشاهده، فقد عم الحزن وحالة الاحباط علي الكثيرين وليس هو فقط، وتمني ان لا يفيق من نوبته أبدا إذا كانت هذه الاحداث بتلك البشاعة المؤسفة، وما ان تمني وقد سمعه الله هذه المرة في دعائه وحقق له أمنيته، فلم يستطع قلبه علي تحمل كم تلك الاحداث المؤسفة، ليدخل في غيبوبة مجددًا. !
فهل سيجد "سامح" صاحب حكاية مقالنا هذا صديقه أحمد يتصل عليه تليفونيا ليطمئن علي صحته ذلك "بصيص النور" في حياة سامح، ويسارع لانقاذه ثانيًا؟
وهل سيفيق سامح من نوبته هذه المرة ام هو علي موعد بلقاء ربه ليحدثه عما أدمته أيامه السابقة؟
وفِي النهاية.. هل سنجد نحن من ينقذنا من تلك الأيام الغابرة ونتخلص من المؤامرات والمخططات والاحباط وغيرها من أمور تهدد حياة الجميع وتتغير الي الأفضل .. أم "لا قدر الله" سندخل نحن الآخرين والأخريات في غيبوبة طويلة مثلما دخل فيها سامح مجددا والله أعلم بما ستحدثه الأيام القادمة، وإن كان منا الكثيرين من المغيبين، الذين لا يحتاجون للدخول في غيبوبة، فهم بالفعل في نوبة دائمة لا يفيق منها ابدا طالما لا يعقل ولا يدرك ولا يفكر بما يحدث حوله وما يحاق به ويدبر له.
ولكن خير ما نقول ما قاله بطل مقالنا في السطور السابقة حين نظر الي السماء وقت الفجرية ودعا "اللهم تولانا برحمتك" .!!